سلمان ناطور סלמאן נאטור

عباس الفران

עבאס האופה מאת סלמאן נאטור –לקריאת הסיפור בעברית, הקליקו כאן

 

غابت الفتاة الروسية ولم تخف

 دهشتها من هذا الزبون الغريب

هنا جلس عباس الفران.

في شارع يافا. عند ملتقى شارع البنوك.

جلس على كرسي خشبي وأمامه طبق خشبي وعليه أرغفة الخبز.

 كان يرفض أن نسميه بائع الخبز، بل عباس الفران وهو لم يكن يملك فرنا ولم يعمل في فرن، بل كان يشتري أرغفته من فرن في وادي النسناس ويحملها على الطبق إلى شارع يافا عند ملتقى شارع البنوك.

ذهبت في يوم قائظ دون أي أمل بأن أجده هناك، فعندما تركته كان في السبعين من عمره واليوم سيكون في التسعينات. لا أعتقد أنه ما زال على قيد الحياة، فان لم يمت موتا طبيعيا لا بد من أنه "فقع" ومات من الهم.

ما الذي أصاب شارع يافا الذي كان يغص بالحركة والناس والسيارات؟ يبدو أنه أصبح شارعا يحتضر بعد أن ازدهر شارع بن غوريون الذي يقطعه بالمقاهي والمطاعم العربية التي تقدم وجبات أوروبية والاسبرسو والسلطة اليونانية بالجبنة البلغارية والكيتشوف مع الهمبورغر الأمريكي.

هنا جلس عباس الفران وهنا في مكانه طاولة وكرسيان وإلى جانبها طاولات لمقهى يقدم المأكولات الايطالية بيدي نادلة من أصل روسي، جميلة وفاتنة وخجولة، لاحظت بأنني متوتر فعرضت علي الدخول إلى المقهى المنعش بمكيف هوائي.

 قلت لها: أفضل الجلوس هنا لأنني سأدخن وطلبت أن تحضر عصيرا باردا.

لم يجلس أحد غيري في المقهى، فالساعة مبكرة والناس في مكاتبهم وأعمالهم والطقس حار جدا ورطب.

أحضرت الفتاة الروسية العصير وقالت لي: هل تريد أن تأكل شيئا؟

اعتذرت بأدب وقلت لها: ربما لاحقا.

 وقبل أن تختفي البسمة عن وجهها سألتها: هل عندكم خبز عربي؟

 قالت: يعني "بيتا"؟

قلت: نعم بيتا. بيتا.

قالت: عندنا، هل تريد شيئا آخر مع البيتا؟

قلت: جبنة صفراء، فقط جبنة صفراء.

غابت الفتاة الروسية ولم تخف دهشتها من هذا الزبون الغريب، ويبدو أنني أثرت فضولها فرأيتها تتحدث إلى شاب وقف خلف مصطبة وتبادلا الحديث ثم دلفت إلى المطبخ وعادت مع رغيف الخبز والجبنة، ثم تبعها الشاب وقال لي: أهلا وسهلا. هل كل شيء على ما يرام؟

قلت: على كيف كيفك! وانصرفا.

لم يكن لرغيف الخبز طعم الرغيف الذي كنت أشتريه من عباس الفران قبل عشرين عاما، ولم يكن للجبنة الصفراء نفس الطعم، فكل شيء تغير في هذه المدينة حتى طعم الخبز. لكنني شعرت بنشوة لم أعرفها من قبل لأنني أجلس في المكان الذي جلس فيه رجل كان في السبعين من عمره عندما غادرت حيفا، وكان هو منبت حبي للناس وللفقراء.

كان هو ينظر بصمت إلى المارة ولا

 يتفوه بكلمة. كان حزينا طول الوقت

لم أضع أمامي صحيفة ولا كتابا يبرران جلوسي في هذه الساعة وسط هذا الاحتضار المكاني. أكلت بتروٍ. ثم أشعلت سيجارة ولما أدرت وجهي إلى داخل المقهي رأيت الشاب العربي والفتاة الروسية يرقبان حركاتي، فأوعز لها بأن تأتي إلي، ولما تقدمت قلت لها قبل أن تنبس بكلمة: أدعوك للجلوس معي ما دام المقهى يخلو من الزبائن، وإذا شاء زميلك فيستطيع الإنضمام إلينا إلى أن يأتي زبون يعكر صفو قعدتنا.. والقهوة على حسابي.

“التقيته لأول مرة عندما كنت طالبا في المدرسة وكنت أمر في كل يوم من هنا في طريقي إلى المحطة. كان عباس يبيع الخبز العربي، في البداية لم يلفت انتباهي عندما مررت من أمامه. كان هو ينظر بصمت إلى المارة ولا يتفوه بكلمة. كان حزينا طول الوقت ويثير الشفقة وفي أحد الأيام رأيت طالبا من زملائي يقترب من الطبق ويخطف رغيفا ويهرب فلحقت به وأعدت الرغيف إلى الطبق، وبعد أن شكرني وأثنى على عملي الطيب سألني: لماذا أعدت رغيف الخبز؟ قلت: هذه سرقة . قال: ربما أنه جائع ولولا ذلك لما تصرف هكذا. إنه يمر كل يوم من هنا ولا يخطف رغيفا، هل تعرفه؟ قلت: إنه زميلي ولا أعرف أنه يسرق، هل يجوز أن أكون حرمته رغيف الخبز؟ ودخلنا في جدل حول الجوع والفقر، وبدأت أكتشف أن هذا الرجل الذي يمضي يومه على قارعة الطريق هو رجل حكيم ، وهو أقوى مما كنت أتصور، ولولا أنني كنت أخشى أن يفوتني الباص لأمضيت وقتا أطول معه، وكان هو يريد أن يحكي ويحكي لكنني قطعت عليه الكلام ووعدته بأن آتيه في اليوم التالي”.

مفتاح البيت كان معي، دقيت عالباب ما

 حدا فتح، فتحت الباب في المفتاح ودخلت

“قال لي عباس الفران في لقائنا الثاني إنه لا يذكر نفسه الا في الفرن الذي بناه والده. كان هنا في هذا المكان، أكبر فرن في المدينة. كنا نوزع الخبز على جميع المطاعم.  أعتقد انني ولدت فيه، فلا أذكر نفسي إلا في الفرن، "وفي واحد وعشرين نيسان سنة الثمانية وأربعين، دخل علينا جنود انجليز وقالوا لنا أتركوا كل شيء وأهربوا لأن اليهود راح يذبحوكم ويرموكم في النار. هربنا إلى الميناء، حملونا على اللانشات، وكبونا في صيدا . كنا أنا  وأمي وابوي وزوجتي وأولادي الثلاثة، الكبير كان عمره عشر سنين، حاولت اقنعهم نرجع ، كلهم رفضوا وخافوا يرجعوا في الليل، أخذت ابني الكبير، وقطعنا الحدود عند سعسع وكان معنا ثلاث زلام. اليهود كانوا رابطين لنا. بعد كم متر صاروا يقوسوا علينا. كلهم انقتلوا ، كمان ابني ، وانا الوحيد اللي نجيت. هربت لما شفت دورية عم تقرب. ابني والثلاثة ظلوا ملقحين، كلهم ماتوا. أنا  رحت أركض في الجبال ووصلت على بلد اسمها حرفيش. احتميت في بيت، وبعد يومين ثلاثة وصلت لحيفا. الفرن كان مشموع والبيت مسكر. مفتاح البيت كان معي. دقيت عالباب ما حدا فتح. فتحت الباب في المفتاح ودخلت. كان كل شي على ما هو، ما راح شي من البيت. كانت أشيا جديدة مكومة على الأرض، ثياب وشنطات وكتب وصرامي كبار وصغار. رميت حالي على التخت وما غمضت عيني إلا سمعت صراخ وصياح. فتحت عيني كانوا خمسة واقفين قدامي ، زلمة ومرة وثلاث اولاد شباب. خفت يذبحوني، وصاروا يحكوا معي بلغة ما عرفت شو هي، أنا  بعرف عبراني، كان عندنا زباين يهود ييجوا من الكرمل، باعرف عبراني لبلب. بعد شوي وصل شرطي وثلاث جنود، سألوني مين انت؟ قلت لهم قصتي، قالوا لي هاي الدار مش إلك لأنك تركتها وهربت. إطلع برا. ورموني في الشارع. رحت على وادي النسناس دوّر على اصحاب ظلوا في البلد. كل حيفا كانت تعرفنا أبا عن جد. كنا من أغنيا البلد والناس تضرب فينا المثل. صفيت لحالي لا بيت ولا فرن ولا أهل ولا مرة و ما عرفت وين ابني مدفون وما عرفت شو صار في أهلي…أنا هون بعدني عباس الفران مثل ما كنت، بعدني من أربعين سنة بانتظر أهلي يرجعوا وزوجتي واولادي. أهلي ماتوا وعيلتي في برج البراجنة، أنا  هون من أربعين سنة شايف شو عم بيصير كل يوم على الدار، أنا  حارسها وحارس الفرن وشايف كل شي بيصير فيها، يوم دكانة ويوم مطعم ويوم فرمشية، تقلبت عليها ايدين وتغيرت أشكال لا الها أول ولا آخر. كل واحد بييجي هون باحكي له قصتي. في ناس عندهم ضمير. مرة عيلة أصلها من العراق استأجرت من الحكومة الدار والفرن، فتحوا في الفرن دكانة قماش وعملوا الدار مكاتب. يوم طلعت عندهم بعد ما نفقت الخبزات وحكيت لهم حكايتي. صاروا يبكوا. والله العظيم صاروا يبكوا. وبعد شهر ودعوني وقالوا احنا مهاجرين على لندن، هاي البلاد ما بتنسكن..أنا هون بانتظر يرجعوا اولادي، ونسكن في الدار ونعمر الفرن. "

وأنا ساظل أنتظر

ساعة كاملة جلست الفتاة الروسية والشاب العربي يصغيان إلى قصة عباس الفران. لم يدخل أي زبون إلى المطعم. رن جرس الهاتف عدة مرات لكنهما لم يحركا ساكنا. دمعت عيونهما. قلت: لا بد أن عباس الفران قد مات . قال لي أكثر من مرة انه لن يغادر هذا المكان إلا للقبر. هل رأيتما هذا الرجل هنا في يوم من الأيام؟

في ذلك اليوم شعرت بأن عباس الفران  ينتظرني في مكانه الذي اعتاد الجلوس فيه.

 ذهبت اليه فلم أجده.

 جلست أنا  أنتظره، فما جاء.

ستعذرني حيفا لأنني لم أكتب لقصصها، حتى الآن، نهايات سعيدة.

وأنا سأظل أنتظر عباس الفران في شارع يافا، حتى وان كان الطقس حارا وجافا.

להשאיר תגובה

הזינו את פרטיכם בטופס, או לחצו על אחד מהאייקונים כדי להשתמש בחשבון קיים:

הלוגו של WordPress.com

אתה מגיב באמצעות חשבון WordPress.com שלך. לצאת מהמערכת /  לשנות )

תמונת גוגל

אתה מגיב באמצעות חשבון Google שלך. לצאת מהמערכת /  לשנות )

תמונת Twitter

אתה מגיב באמצעות חשבון Twitter שלך. לצאת מהמערכת /  לשנות )

תמונת Facebook

אתה מגיב באמצעות חשבון Facebook שלך. לצאת מהמערכת /  לשנות )

מתחבר ל-%s


%d בלוגרים אהבו את זה: